يوسف المرعشلي
452
نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر
أدرك سرها المترجم كلّ الإدراك ، فحبب المادة العلمية للطلاب من جهة ، وملك على طلابه قلوبهم وعقولهم ؛ لأن الطالب متى فهم الدرس أحبه وانتفع به ، وبأستاذه . ولما كان معلما في المدرسة الابتدائية ، كان يتوجب عليه الإشراف على الطلاب في الفسحة يوما واحدا كل أسبوع أو أسبوعين كما هي العادة في المدارس ، وكانت الفسحات على عهد المعلمين من زملائه قائمة على الضجيج والفوضى والشغب مما يثير سخط جيران المدرسة . . بينما يهدأ الطلاب في اليوم الذي يشرف المترجم عليهم فيه ، فينقضي الصخب ويتبدد الضجيج ، ولهذا كلفه المدير بالإشراف الدائم ، وأعفاه من بعض الحصص . ولذلك فمما يقال عنه في صفاته أنه نشيط في عمله ، متفان فيه مخلص له . . وجمع إلى هذه الصفات الوقار ، والخلق الكريم ، يصل الرحم ، ويحسن الجوار ، يتلطف مع الناس ، ويداعب الزملاء والزوار ، يجيد الطرفة والفكاهة ، هادىء ، أنيس . تخرج به المئات من المثقفين الذين دأب على تربيتهم في المساجد والمدارس والبيوت ، فكان منهم المتخصصون في شتى العلوم الدينية والكونية . توفي بدمشق في 23 ذي القعدة 1397 ه . ورثاه الشيخ إبراهيم اليعقوبي في قصيدة لطيفة ، وصف فيها أخلاقه الكريمة ، وعلمه ومكانته منها قوله : تبكيه إن ضاق البيان مكارم * جلّت عن التعداد والإحصاء ما أنصفتك عيوننا لما بكت * دمعا عليك وما جرت بدماء ربيت أجيالا على نهج الهدى * وأتيت تسعى في هدى الأنباء وتركت للأجيال بعدك قدوة * تسمو بهم للعز والعلياء وغدا سيذكرك الجميع مقدّرا * مجهودك الأسمى بحسن جزاء زين العابدين الخاني الدمشقي - زين العابدين بن محمود بن محمد ( ت 1382 ه ) . زين العابدين ابن عبود المكناسي - زين العابدين بن محمد بن عبد السلام ( ت 1390 ه ) . زين العابدين ابن عبود « * » ( 1312 - 1390 ه ) زين العابدين ابن الشيخ محمد بن عبد السلام ابن عبود المكناسي الأصل ، السلاوي المولد والدار ، المستوطن أخيرا بمدينة الدار البيضاء . ولد بسلا حوالي عام اثني عشر وثلاثمائة وألف . الشيخ الجليل ، العلامة المشارك ، الحافظ المستحضر ، الواعية المطلع ، المرشد إلى الدين الصحيح بقوله وعمله . أخذ العلم عن جلّ علماء سلا ، وبعض علماء الرباط ، لا نطيل بذكرهم ، وأخذ علم التصوف عن أبيه . قال ابن سودة : كان كثير التدريس والإفادة ، يدرّس التفسير والحديث ، فقد ختم تفسير القرآن الكريم عدة مرات في عدة مساجد ، وأخيرا استوطن الدار البيضاء ، وصار يدرّس بها في الجامع المحمدي بدرب السلطان ، وبها حضرت عليه بعض الدروس ، كان فيها إرشاد وتخويف ووعد ووعيد على طريق السلف الصالح رحمه اللّه . أسند إليه القضاء أولا بقبيلة الرحامنة نحوا من ثلاثة أعوام ، ثم نقل إلى نواحي مدينة تازا مدة ، ثم ترك ذلك ورجع إلى التدريس والإفادة بمسقط رأسه سلا ، حيث أسس مدرسة تخرج منها عدد من نجباء طلبة المدينة ، وبقي يدرّس إلى أن لقي ربه في صبيحة يوم الاثنين سادس صفر الخير عام تسعين وثلاثمائة وألف بالدار البيضاء ، ودفن بمقبرة الشهداء باغبيلة من المدينة المذكورة .
--> ( * ) « سلّ النصال » لابن سودة ص : 209 .